———————————————
الافق الايديولوجى فى ديوان هكدا أنا الشعرى
الايدولوجيا هي علم الأفكار وهى محاولة إعطاء طابع علمي لهذه الأفكار من قبل أصحابها وهى أيضا نسق من الأفكار والمعتقدات والمفاهيم معيارية وواقعية يسعى إلى تفسير ظواهر اجتماعية معقدة من خلال منظور يبسط ويوجه الاختيارات السياسية والاجتماعية للإفراد والجماعات ويتم توظيف هدا النسق لتأكيد هذه الظواهر أو تغييرها وفق نظرته إليها … وعندما تحمل الايدولوجيا المثمتلة في المنظومة المفاهيمية بين طياتها محاصرة الإنسان بالحياة وتناقص حريته بالاختيار ينشأ من وراء ذلك حقل نزاع ايديولوجى وهو يمثل الوسط المادي الحقيقي للايدولوجيا وهذا الوسط إنما هو الأدب بجميع صنوفه وأنواعه . عند دخول الميكروبات في جسم الإنسان لا يقف هذا الجسم موقف المتفرج عليها بل يتصدى لها بآليات دفاعه الطبيعية لمحاربتها بغية القضاء عليها ما يمنح الجسم القدرة البيولوجية و بالتالى استمرار الحياة فى شكلها الظاهرى.. وهذا يشبه إلى حد بعيد ما يحدث عند وجود كم ايديولوجى متناقض فى مفاهيمه وافكاره ومعتقداته حيت يعمل هذا الكم على تحفيز آليات دفاع المجتمع وهى شريحته المستنيرة والواعية والتى يمثلها الأدب بأنواعه وبذلك ينشأ حقل نزاع ايديولوجى لتضييق هوة التناقض لمفاهيم الكم فى محاولة لاعطاءه طابع علمي وتفسيره وهكذا يتم توظيف هذا الكم المفاهيمى إما لتأكيده او استبداله بأخر اقرب إلى الحقيقة مايمنح النسيج الاجتماعى القدرة النفسية وهى الجانب الخفي أو الروحي للحياة الإنسانية بما تمثله من أحاسيس ومشاعر وعواطف وخيالات.. وارتباط هذين الجانبين وثيق ولا يمكن فصله وعملية الفصل هنا تؤدى إلى إعطاب وخلل في الحياة الإنسانية ذاتها وبالتالي التوقف عن السير نحو الحقيقة الأمر الذي ينتج عنه التخلف والجمود والتوقف عن السير في الطريق نحو الحقيقة أو الموضوعية التي ماانفك الإنسان منذ الأزل وحتى الأبد وهو سائل وباحث عنها وما يعتبر في لحظة ما من التاريخ حقيقة مطلقة يتحول مع مرور الزمن واتساع المعرفة إلى حقيقة نسبية .. وكما أن الجسم واضطراباته يمكن قياسها بأدوات ووسائل علمية معدة لهذه الإغراض على المستوى البيولوجي… كذلك هنالك أدوات للقياس على المستوى النفساني لأي مجتمع من المجتمعات ومن أنجع هذه الأدوات هو الخطاب الأدبي وهو إما أن يكون مقاوما لهذه الايدولوجيا أو ميالا لها.. وبقدر ما يكون مقاوما أو ميالا بقدر ما يكون جميلا أو قبيحا.. لأن الفن لا يحيا إلا بمعارضته لكل ماهو مألوف وسائد ومن ذلك يتضح جليا انه كلما زاد استهجان الفن أو الأدب ورفضه ومعارضته للسائد كلما كان ذلك دليلا قويا على وجود خلل أو عطب في الكم الايديولوجى وما يحمله في جعبته من أفكار ومفاهيم وانعدام قدرته على تحقيق كيف واحد ويعود ذلك إلى تناقض هذا الكم في حد ذاته .. وابتعاده بالتالي عن الحقيقة والموضوعية ..ولمناقشة مدى ملائمة وتوافق هدا الكم الإيديولوجي أو المنظومة المفاهيمية في المجتمع ليس هناك من بد إلا العودة لهذا الخطاب الأدبي وتسليط مجهر العقل عليه ما يجعلنا بالتالي قادرين على استصدار الأحكام على هذا الكم مما يساعد على خلق الإنسان السوي نفسانيا والذي بدونه لا قيمة لسويته البيولوجية
إن الخطاب الأدبي بكافة أنواعه إن هو إلا نتاج اجتماعي إيديولوجي فتكون بذلك النصوص الأدبية والتي تشكل المتخيل الاجتماعي مثقلة بترسبات أوهام وهزائم و احباطات ورجات الصدام بين الطموح واليأس ومن خلال الخوض في هذا المتخيل يكون بالإمكان الكشف عن الزيف أو الصدق في المنظومة المفاهيمية الفكرية المهيمنة على المجتمع وبالتالى إصدار الحكم إما سلبا أو إيجابا في شأنها الأمر ألدى يجعلنا قادرين على إدراك الضوء في نهاية النفق المظلم وتجاوز الصعاب والعوائق.. والسلب هنا يعنى القبح وعدم الملائمة والحد الأعلى من التناقض.. اى الابتعاد عن الحقيقة.. والإيجاب يعنى الجمال والتوافق والملائمة والحد الأدنى من التناقض.. أي الاقتراب من الحقيقة… وبمعنى أخر أكثر دقة ووضوحا.. السلب هو الكم الإيديولوجي الأكثر خطأ وفداحة والأكثر ابتعادا عن الحقيقة بينما الإيجاب هو الكم الأقل خطأ والأقل ضررا والأكثر قربا من الموضوعية أي الحقيقة… وهناك العديد من المقاييس والمؤشرات في الأعمال الأدبية من شعر وقصة ورواية والتي من خلالها نستطيع التعرف على مدى ملائمة هذا الكم وتناغمه وتوافقه مع المجتمع الحاضن له ومن أهمها الإيهام في الشعر والغموض الشديد وهو غالبا ما يكون لدرء خطر وقمع وإرهاب الكم الإيديولوجي السائد وكثرة الإلغاز والطلاسم في العديد من الروايات الليبية المعاصرة والتعرض لعوالم الخوافى مثل الجن والسحر وهى مؤشر لانتشار واستفحال الطغيان وهذه المؤشرات جميعها هى دليل على انتفاء التناغم والانسجام مع القيم والمفاهيم التي يحملها الكم الإيديولوجي المفروض عنوة على المجتمع … إلا أن ما هو مدار بحث وتدقيق في هذه القراءة هو الشعر الليبي المعاصر والذي نحاول فيه كشف النقاب عن مدى رفضه واستهجانه للواقع الإيديولوجي السائد أو قبوله به وذلك من خلال العديد من النصوص الشعرية في ديوان ..هكذا انأ.. للشاعرة تهاني دربي واهم ما يميز هذا الديوان الذي قد يتقاطع في الواجهة مع التجارب الشعرية الليبية المعاصرة وغيرها من الأعمال الأدبية إلا انه يلتحم بها … في عدم تناغمه وانسجامه مع المنظومة المفاهيمية القيمية المتمثلة بهذا الكم الإيديولوجي لانعدام قدرته على تحقيق الكيف الواحد والذي تمثله الوحدة البيولوجية النفسية الاجتماعية لمجتمعنا الليبي
إن أهم مميزات المجموعة الشعرية في هذا الديوان الفكري هي الموائمة بين ما هو نظري عام يعيد جميع الظواهر للقانون والجدل والحتمية التاريخية وما هو ذاتي أو خصوصي وهذا ما يعطى لأفكاره ذاك البريق واللمعان والتوهج فيمنع عنها الصدأ الذي يلحق عادة بالأفكار.. انه تلك الذاتية أو الخصوصية التي تتجسد أمام القارئ لنصوص هذا الديوان من خلال كلمات بسيطة بعيدة عن التعقيد فتضفى على الأفكار أجنحة إضافية للتحليق في الأعالي… وتتجلى هذه الخصوصية في قصيدة.. هذيان.. حيث تقول الشاعرة
هل تعرف كيف تحب/ كن صادقا وخذ وقتك للتفكير/ وعندما تجيب تلعثم قليلا/ حتى أتأكد انك فهمت سؤالي/ وأخذته على محمل الجد…… هذا المقطع الشعري في حد ذاته يحرض على التناسل وهو طريق لتفتح الحقيقة عبر إحالات الرمز/ اللغة إلى طبقة أعمق فأعمق وجعلها تتفتح بتأثير الأسئلة والأجوبة الثرية والمتنوعة حيث يبدأ المقطع بتساؤل مسبق عن موضوع الحب تستتبعه دعوة للتفكير والفهم اللتان تؤديان إلى الابتعاد عن السطحية والاتجاه نحو العمق مما يجعلنا نوقن أن الذات الشاعرة لها دراية بهذا الموضوع وانه قد وقع في خبرتها من قبل وإنها أيضا تساءلت عنه بحيث أصبح مفهوما لديها باعتباره واقعا ضمن نطاق همومها واهتماماتها والتساؤل أيضا يعنى أنها قد عايشته من قبل.. وما الدعوة للتفكير والفهم إلا دليل على هذه الدراية والمعرفة به..فالتفكير يستدعى وجود مشكلة ما تشعر بها الشاعرة وتجاوزها يتطلب التأمل العميق والتدقيق لاس
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ